بحث كامل عن علم التاريخ

كتابة سالي - تاريخ الكتابة: 5 سبتمبر, 2018 2:41
بحث كامل عن علم التاريخ


بحث كامل عن علم التاريخ نقدم لكم من خلال طرحنا اليوم بحث كامل وشامل عن علم التاريخ وكل ماتودون معرفته عن علم التاريخ.
التاريخ قد اختلف العلماء في أصل لفظ “تاريخ” فذهب البعض أنه لفظ عربي خالص، وذهب آخرون إلى أنه لفظ فارسي، والتاريخ على العموم يعني “التوقيت”، أي تحديد زمن الأحداث وأوقات حدوثها.

التاريخ اصطلاحاً:

أما المعنى الاصطلاحي للتاريخ: فقد عرّفه السخاوي أن التاريخ فن يبحث عن وقائع الزمان من حيث توقيتها، وموضوعه الإنسان والزمان ().
وفي تعريف ثان: هو تلك الأحداث التي وقعت في الماضي، والتي تقع في الحاضر، والتي يمكن أن تقع في المستقبل.
وفي تعريف آخر: هو سجل مسيرة البشرية، وهو المصدر الأساسي للمعرفة الإنسانية، أو هو ذلك السفر الخالد الذي يحمل بين دفتيه كل التطورات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي مرت بها البشرية منذ قُدِّر للإنسان أن يترك آثاره على الأرض حتى تنتهي الدنيا وما عليها.
ولفظة التاريخ تطلق تارة على الماضي البشرية، وتارة على الجهد المبذول لمعرفة ذلك الماضي ورواية أخباره، أو العلم المعني بهذا الموضوع، وفي محاولة من قسطنطين زريق للتمييز بين كلمتي “تاريخ” و”تأريخ”، فإنه يفضل أن تطلق كلمة “التأريخ” على دراسة الماضي، وكلمة “التاريخ” على الماضي نفسه ().

هل التاريخ علم؟

اختلف رجال العلم والتاريخ والأدب في وضع التاريخ وفي نسبته إلى أي فرع من فروع الإنسانية، فذهب الأستاذ ستانلي جيفونز إلى أن التاريخ لا يمكن أن يكون علماً لأنه يعجز عن إخضاع الوقائع التاريخية لما يخضعها له العلم من المادية والمشاهدة والفحص والاختبار والتجربة وبذلك لا يمكن في دراسته استخلاص قوانين علمية يقينية ثابتة على نحو ما هو موجود في علم الطبيعة أو الكيمياء مثلاً.
وقد أيد هذا الاتجاه كارل بوير قائلاً أن “التاريخ الإنساني في سيره يتأثر بنمو المعرفة الإنسانية ولا يمكن لنا بالطرق العقلية أو العلمية أن نتبأ بنمو معارفنا العلمية.
وذهب آخرون إلى أن التاريخ فن، وغيرهم يرى أن التاريخ نوع من الأدب، فهو يعنى بالتدوين القصصي لمجرى الأحداث.
لكن المؤرخ الإنجليزي بيوري أستاذ التاريخ الحديث بجامعة كامبردج يذهب إلى أن التاريخ علم لا أكثر ولا أقل، وقد نحى هذا النحو عدد كبير من المفكرين من أمثال هرقليطيس وأفلاطون وهيجل وماركس وأوجست كونت وستيورات مل، وسبنجلر، وكارل ملنهايم، وأرنولد توينبي، فاعتبروا التاريخ علم يعني بتتبع تطور المجتمع في الفترات المتعاقبة.
وقد أيد هذا الرأي تين في فرنسا وذهب إلى أن “العلل المتناهية المختلفة للأحداث يمكن أن تنتهي بنا إلى بعض المبادئ العامة التي تتحكم في كل الوقائع وتقررها”.
وإذا أخذنا بقول هيكسيلي أن العلم هو كل معرفة تقوم على الدليل والاستنباط، وهذا ليس شرطاً فعلم المناخ “الميتورولوجيا” لا يمكن أن نصل فيه إلى تعميمات خاصة بالجو.
ويقول سنوبس المؤرخ الفرنسي: “التاريخ علم -ما فيه ذلك ريب- فهو علم الوقائع التي تتصل بالأحياء من الناس في مجتمع خلال توالي الأزمنة في الماضي، وهو يدخل في عداد العلوم الوصفية، فإذا أخذنا بمعنى البحث أو الاستقصاء بهدف الوصول إلى الحقيقة التي من وراء الأحداث، فبهذا المعنى يكون التاريخ علماً”.
فإذا سلَّمنا أن التاريخ علم نقد وتحليل، وأن الأمر يصل بالمؤرخ إلى أن يضع في اعتباره العوامل النفسية التي قد تشترك وتؤثر في تشكيل حوادث التاريخ، فإننا نستطيع أن نقول أن “التاريخ علم يهتم ببحث المتبقي من أحداث الماضي أو محاولة الاستعانة بها على توضيح الحاضر وتفسيره”.
وتتسع أبحاث علماء التاريخ لتصل إلى جميع ما يتعلق بالإنسان وتصرفاته من شئون سياسية واجتماعية أو اقتصادية ولذا تعددت فروع التاريخ فهناك التاريخ السياسي والتاريخ الاقتصادي والتاريخ الاجتماعي والتاريخ الحربي.

أهمّيّة علم التاريخ

-يُعطي علم التاريخ تصوّراً دقيقاً وواضحاً عن العالم القديم، والتجارب التي مرَّ بها الإنسان، وبالتالي تكون هذهِ الدراسة باباً من تجنّب ما وقعَ بهِ الأقدمون من الأخطاء والتي جرّت عليهم الويلات والدمار.
-علم التاريخ هو دروس ماضية تُفيدنا للتخطيط المستقبليّ، فعند معرفة سيرة الحضارات السابقة وكيف قامت وما هيَ عوامل ازدهارها ونهضتها وما هيَ أسباب دمارها وزوالها فإنّنا بلا شكّ نختصر على أنفسنا العديد من التجارب ونتحاشى الخطأ السابق ونمضي قُدُماً نحوَ ما أراهُ التاريخ لنا مُناسباً.
-علم التاريخ يجعل الإنسان مُتّصلاً بأجداده وأصوله التي هوَ امتدادٌ لها، والتاريخ الإسلاميّ مثال على ذلك، ف نقف عند دراسته على سيرة النبيّ المُصطفى عليه الصلاة والسلام التي هيَ جُزءٌ عظيم من دراسة التاريخ الإسلاميّ وهي السيرة النبويّة، حيث يكون في تدوين هذا التاريخ معرفة لحياة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ومعرفة الأحداث والغزوات التي وقعت على زمن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكذلك من خلال تأريخ الحقبة النبوية الشريفة نقف من ذلك على مصدر أساسيّ من مصادر التشريع الإسلاميّ، وهي الحديث النبويّ الشريف الذي هوَ عبارة عن الأقوال والأفعال التي فعلها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أو أقرّ غيرهُ عليها.
-علم التاريخ يُنصف الأمم، ويحفظ التراث للأمم فكثير من التراث الذي تتميّز به الدول هوَ بسبب حفظ التاريخ لهُ وإبرازه بالشكل المميّز لتلك الدولة.

فوائد دراسة التاريخ للفرد والمجتمع:

لا شك أن دراسة التاريخ تحقق العديد من الفوائد يمكن أن نجملها فيما يلي:
قيمة التاريخ في تربية الفرد:
يرى البعض أن دراسة التاريخ تنشط الفكر وتشحذ الذهن، ودراسة التاريخ أصلح الدراسات الإنسان الفضائل الخاصة والعامة، فهي توسع أفق الطفل وترفع مستوى الأخلاق، وتبرز العلاقة بين النتائج والمسببات.
يقول بوركار أن التاريخ سيد الحياة، بقوله: “إن الإنسان يجب أن يلم بالأحداث الخاصة بحياته خلال الأزمنة المختلفة، فمعرفة الماضي مطلوبة لكي تكون في خدمة الحاضر والمستقبل”.
ويذهب سينوكس إلى أن “التاريخ أستاذ الحياة يزودنا بنصائح عملية تفيد السلوك وبدروس تفيد الأفراد مباشرة كما تفيد الشعوب”.
قيمة التاريخ لرجال السياسة:
يرى المؤرخ الإنجليزي جون سيلي أن “التاريخ مدرسة السياسة، وبدون مقدار يسير منه على أقل تقدير لا يمكن للإنسان أن يعنى عناية معقولة بالشئون السياسية ولا يمكن أن يصدر حكماً معقولاً في أي شأن من شئونه، إن التاريخ هو دراسة هامة لكل مدني، ولكن هو الدراسة الهامة الوحيدة الخليقة برجال الحكم والتشريع”.
– التاريخ مدرسة لتعليم طريقة البحث السياسي، فدراسة التاريخ مفيدة جداً من حيث هي مدرسة لتعليم طريقة البحث فهي تعلم السياسي الحذر واستقلال الرأي وتهيئه لاكتساب ملكة الاستدلال بالأمثال الظاهرة على البواعث والأفكار الغامضة.
– التاريخ مستودع للأحداث السياسية السابقة: وقد عبر الفيلسوف والمؤرخ البريطاني دافيد هيوم عن ذلك بقوله: “إذا تأملنا قصر حياة الإنسان ومعرفتنا المحدودة حتى بما يقع في زماننا فلا شك في أننا نشعر بأننا كنا نبقى أطفالاً في إدراكنا لو لم يقيض لنا هذا الاختراع الذي يرجع بخبرتنا إلى جميع العصور الماضية وإلى أقدم الأمم الخالية، إن الرجل المطلع على التاريخ يمكن أن يقال عنه من بعض الوجوه، أنه يعيش منذ بداية العالم”.
-التاريخ أساس التقدم السياسي: فالتاريخ يمد السياسي بأكثر من سابقة تمت تجربتها ويوقفه على الأصول الواقعية لمشاكل الوقت الحاضر.

العلوم المساعدة للتاريخ:

يعتبر التاريخ هو بؤرة العلوم الاجتماعية والإنسانية ومركز انطلاقها، ويحتاج الباحث إلى الاعتماد العلوم المساعدة له في فهم حركة التاريخ وتبين مساراته ومنها:
علم اللغة:
يجب أن يكون المؤرخ ملماً باللغة الأجنبية التي تعتمد عليها أبحاثه بإذا كان الموضوع الذي يتخصص فيه متعلقاً بتاريخ إيران الحديث، فعليه أن يلم باللغة الفارسية، وإذا كان الموضوع يعالج تاريخ الانتداب البريطاني في فلسطين، فعليه أن يكون ملماً باللغة الإنجليزية.
علم الفيولولوجيا أو “فقه اللغة”:
ينبغي أن يكون المؤرخ على معرفة وعلم بدلالة الألفاظ في العصر الذي يدرسه، وباللغة التي يكتب بها أو يأخذ عنه، فهناك معاني عديدة للكلمات، كما أن الكلمة في مرحلة معينة قد تؤدي معنى آخر في مرحلة أخرى، فلابد أن يكون المؤرخ ملماً بالقواعد الأساسية لهذا العلم.
وعلى سبيل المثال فإن كلمة “عامل” الخليفة كانت تعني عند استخدامها في القرون الهجرية الأولى “ممثل الخليفة، أو الوالي في مصر أو العراق أو خراسان”، وليس كمثل معناها الآن، كما أن كلمة الاستعمار كانت تعني عند استخدامها مرحلة الكشوف الجغرافية استثمار الأراضي وتعميرها ولكنها أصبحت تعني خلال القرنين الأخيرين احتلال بلاد أخرى واستغلال ثرواتها.
علم قراءة الخطوط:
لابد أن يكون المؤرخ عالماً بالخطوط التي تكتب بها اللغة التي يأخذ عنها أو يستفيد منها، فالباحث في تاريخ الدولة العثمانية، ينبغي أن يكون ملماً بالخطوط المختلفة التي كانت تكتب بها اللغة التركية القديمة، وأهمها الخط الديواني الذي كانت تكتب به الأوامر السلطانية، وخط القيرمة الذي كان يستخدم في الشئون المالية والإدارية للدولة العثمانية.
علم الوثائق:
هو العلم الذي يعالج وسائل قراءة الوثائق، والتعرف على أسلوبها، وفهم مصطلحاتها، والتأكد من صحتها سواء عن طريق نوع الورق الذي دونت عليه، أو الحبر المستخدم في كتابتها، أو الخاتم الذي ختمت به إلى غير ذلك من وسائل الفحص والتحقق.
علم الاقتصاد:
فالإنسان منذ وجد على الأرض كان شاغله الأساسي هو توفير أسباب رزقه، ومن أجل ذلك خاض الإنسان معارك كثيرة من أجل الانتصار على ما يواجهه من مشكلات، وفي التاريخ الحديث اتجهت الدول الاستعمارية إلى المستعمرات واستطاعت أن تصرف انتاجها، وأن تجلب المواد الخام من تلك المناطق للاستفادة منها، أو تصنيعها، واعادة تصديرها، لذا فإن دراسة علم الاقتصاد يعطي للمؤرخ صورة متكاملة للظواهر الاجتماعية على مدار التاريخ الإنساني.
ولأهمية علم الاقتصاد وصل الأمر إلى أن ماركس وصديقه إنجلز ذهبا إلى تفسير التاريخ تفسيراً اقتصاديا محضاً، كما نجد أن الاقتصاد يؤثر تأثيرا واضحا في حركة التاريخ من خلال النشاط الاقتصادي وتأثيره على قوة الدولة ونشاط ورضى المواطنين، والثورة الصناعية في أوروبا وظهور الرأسمالية الوطنية، ثم ظهور العمال كقوة لها تأثيرها، فتكونت النقابات العمالية، كذلك برز العامل الاقتصادي في الحروب فاستخدم كل من نابليون وإنجلترا هذا السلاح ضد الآخر.
علم الجغرافيا:
من أهم العلوم المساعدة التي يستفيد منها المؤرخ فالبقاع -كما يقول المقدسي- يؤثر في الطباع، كما أن الأرض هي المسرح الذي تتفاعل عليه حركة التاريخ، ولا شك أن العوامل الجغرافية المختلفة من أنهار وبحار وسهول وجبال وصحارى وغابات وموقع ومناخ تؤثر في حياة الإنسان وتترك بصمتها على حركة التاريخ، فعوامل الجغرافيا جعلت الحضارة في مصر بسبب النيل، وكذلك طبيعة الهند الجغرافية المنعزلة بسبب الجبال جعل حضارتها محلية منعزلة عن العالم، وكان للعوامل الجغرافية تأثير في حركة التاريخ، فبسبب البحر لم يتمكن تيمورلنك من العبور إلى أوروبا بعد هزيمة بايزيد الأول في واقعة أنقرة سنة 1402م، وأخفق نابليون في اجتياح سهول روسيا عام 1812م بسبب شتاءها القارس، وفشل هتلر في حملته على الاتحاد السوفييتي عام 1941م لنفس السبب.
وبينما نجد البيئة الصحراوية والبيئة الجبلية بيئات طاردة تدفع الإنسان للرحيل وعدم الاستقرار كما تؤثر العوامل الجغرافية في طباع الإنسان وأخلاقه ومزاجه وفي شحذ ذهنه أو العكس، وكان للعامل الجغرافي أثره في انهيار دولة المماليك بعد اكتشاف البرتغاليين لرأس الرجاء الصالح وتحويل طرق التجارة من مصر إلى هذا الطريق الجديد.
كما لعبت العوامل الجغرافية كالأنهار والجبال وغيرها دورا هاما كعوامل ربط أو تحديد الحدود بين الدول المختلفة.
الأدب:
يعتبر الأدب من العلوم المساعدة لدارسي التاريخ، فهو مرآة الشعوب وتعبير صادق عن أفكار الأدباء وأحاسيسهم وتفاعلهم مع الأحداث مما يمكن أن يعطي المؤرخ ملامح عن حياة شعب في مرحلة تاريخية محددة.
ومن ناحية أخرى فإن الأدب هو أحد العوامل الأساسية التي تحرك الجماعات وتثير الشعوب، فقد كان الأدب أحد الممهدات الهامة لبعض الثورات مثل الثورة الفرنسية. ويعتبر الشعر الجاهلي أقدم الآثار الأدبية المعروفة عند العرب التي حملت في طياتها أحداث تاريخية.
علم النفس:
فدراسة العوامل النفسية والنوازع البشرية ومحاولة التوصل إلى المكونات النفسية لشعب من الشعوب أو جماعة من الناس تساعد في فهم كثير من الأحداث التاريخية، كما أنه من الصعب الكتابة عن الشخصيات التاريخية الهامة دون دراسة العوامل النفسية التي كونت هذا الزعيم أو ذاك.

الصفات الواجب توافرها في المؤرخ:

البحث التاريخي ليس بالأمر السهل اليسير فهو يتطلب أن تتوفر في المؤرخ شروطاً منها:
الجلد والصبر:
فالباحث في مجال التاريخ يحتاج للسعي وراء المعرفة مهما تكبد من جهد ووقت، فهو يواصل البحث في دور الوثائق من دون أن ينتابه اليأس، ويقرأ عشرات المصادر والمراجع للوصول إلى الحقيقة، ويبحث عنها في أماكنها المختلفة، وهذا يستلزم جهد ووقت ومثابرة، وكذلك فإن البحث عن الحقيقة من وسط الغموض الذي يلف الوثائق يحتاج إلى مزيد من الأناة والتحليل.
الدقة والأمانة العلمية:
يجب أن يتصف المؤرخ بالدقة الكاملة والأمانة في عرض وجهات النظر المختلفة وينسب كل رأي لصاحبه ولمصدره دون التواء أو محاولة إخفاء شيء من الحقيقة، بالإضافة إلى الحيدة والنزاهة التامة، فهو يورد الحقائق مستندة إلى مصادرها الأصلية، وحين يتعرض للتحليل والتعليل يجب أن يلتزم بالمنطق والأسلوب العلمي.
عدم تكوين رأي مسبق:
المؤرخ يجب أن لا يكون رأياً مسبقاً في الأحداث ثم يحاول بعد ذلك أن يجمع الأدلة والبراهين على صحة هذا الرأي، فلا شك في أن هذا الاتجاه سيؤدي إلى الانزلاق والخطأ بعكس لو جمع المعلومات عن الحادث الذي يتعرض له من مصادره الأصلية، واستعرض مختلف الآراء محاولاً تحليلها والوصول إلى الرأي المرجح.
ملكة النقد والتحليل:
فالاعتماد على الوثائق الأصلية ومحاولة تحليلها يجنب الباحث من الوقوع في كثير من الأخطاء، ولذا يجب أن تكون لدى الباحث ملكة النقد والتحليل، ليستطيع أن يسير خلف المعلومات، ليكتشف من خلالها الروح الكامنة وراء أقنعتها.
ملكة الربط بين الأحداث المتعددة:
فالتاريخ لا يقدم مشهداً لأحداث متناثرة بل إنه رواية مترابطة الفصول ويكمن السر في قوتها في هذا الترابط بين فصولها، فكل ظاهرة لعلها انعكاس لأخرى.
تقبل وجهة النظر المختلفة:
يجب أن يكون الباحث مستعداً لتقبل آراء الغير ووجهة نظرهم دون أن يضيق بها، بل أن يكون مستعداً للأخذ بوجهة النظر المغايرة إذا ما رجحتها القرائن.
الحاسة الزمنية:
فهو يتعرض لأحداث حدثت في أزمنة سابقة مغايرة لزمنه من حيث الظروف الاجتماعية والأفكار السياسية السائدة والمعتقدات والمبادئ المتعارف عليها فهو لا يجب أن يقيس الأحداث ويربطها بأفكار وعلل ومقاييس استحدثت بعد.
التأمل الهادئ:
وذلك حتى يستطيع أن يرى الأشياء من وجهة نظر أعلى من تلك التي يراها أولئك الذين عاشوا وسط الأحداث، فالمؤرخ يسعى إلى تحويل التاريخ العاصف إلى هدوء التأمل الخالص.
القدرة على تنظيم المعلومات وصياغتها بأسلوب علمي:
وهذا يحتاج إلى مران وعقل راجح وذكاء وقدرة على إدراك التسلسل بين الأحداث، ويعرض لأفكاره بأسلوب علمي سهل، وبعبارات واضحة، فيجمع بين سلامة اللغة، والأسلوب، ووضوح الفكرة.
التواضع:
فلا يحرص أبداً على أن يفضح علناً أقل هنات تصدر من الغير، وهو لا يستخدم ألفاظاً ولهجة فظة غليظة.
المدارس التاريخية:
كانت الكتابة التاريخية في أول أمرها عملاً أدبياً يتناول أحداث الماضي، وكان هذا الماضي يتم بطريقة وصفية خالياً من التفسير والتحليل، والبحث عن العوامل الكامنة وراء حركة التاريخ.
وجاءت بعد ذلك مرحلة ثانية من تطور الكتابة التاريخية التي تهتم وتركز على دراسة القوى التي تعمل وتؤثر في حياة الناس، ومن آثار تلك المرحلة ظهور المذاهب التاريخية المعروفة مثل مذهب هيجل، والمادية التاريخية لكارل ماركس، والتحدي والاستجابة لأرنولد توينبي، وستعرض فيما يلي لأهم التفسيرات التاريخية:
التفسير الديني للتاريخ:
ويعني هذا التفسير أن حركة التاريخ تقوم على معتقدات دينية اعتنقها الإنسان منذ القدم ولعبت دورا بارزا في تقدم الإنسان وبناء حضارته، فالحضارة الفرعونية كانت تقوم على معتقدات دينية، والفكر الصهيوني يستند إلى ركائز دينية، والعقيدة المسيحية كان لها أثرها في تاريخ البشرية، كما أن الدين الإسلامي كان له دور كبير في بناء حضارته وامتداده في العالم.
ولكن هذا العامل لا يكون دائم التأثير، وإنما ينتاب الأمم فترات من الضعف والتأخر بسبب ابتعادها عن تعاليم الدين.
دور الفرد في التاريخ:
ويعني ذلك أن عظماء الرجال هم الذين يحركون التاريخ، وهم الذين ينهضون بأممهم ويسيطرون على ما يحيط بهم من قوى سياسية واقتصادية واجتماعية، ولا شك أن لعظماء الرجال دورهم في صنع التاريخ، ولكن هذا الدور ليس دوراً مجرداً إنما هو محصلة لتفاعل عدد من المؤثرات الداخلية والخارجية تجسدت في النهاية في دور الزعيم، ومن القادة الذين توفرت لهم تلك الشروط: الاسكندر الأكبر ويوليوس قيصر، وعمر بن الخطاب، وصلاح الدين الأيوبي، ونابليون، وليس ضرورياً أن تكون صفات القائد إيجابية أو خلقية، فهمجية تيمورلنك ودكتاتورية هتلر وروح تشرشل الاستعمارية كلها عوامل أساسية في بروزهم.
التفسير الطبيعي للتاريخ:
ويقصد بذلك تفسير التاريخ وفقاً لقوانين محددة مماثلة للقوانين في العلوم الطبيعية، ويندرج تحت هذا التأثير عدة تفسيرات منها: التفسير الجغرافي للتاريخ، أي اعتبار العوامل الجغرافية المختلفة هي التي تؤثر في نشاط الإنسان وتاريخه، ومنها التفسير الأنثروبولوجي للتاريخ أي اعتبار الأجناس المتميزة هي الأجناس التي تصنع التاريخ، ومنها تفسير الدورات التاريخية: أي وجود نظام دوري ثابت في حياة الإنسان والأمم. وهو ما يعبر عنه أحياناً بأن التاريخ يعيد نفسه.
التفسير النفسي للتاريخ:
ويقصد بهذا التفسير أن تكون مشاعر الزعماء أو الجماعات أو الشعوب ردود فعلها النفسية التي تترك آثارها على حركة التاريخ.
ويضرب المؤرخين أمثلة عديدة على أهمية التفسير النفسي للتاريخ، منها تلك العصبية الجاهلية والشعوبية في الإسلام، وحملات الصليبيين لتخليص “قبر المسيح في فلسطين” من أيدي المسلمين كما يزعمون، والآثار الكبيرة التي تركتها سقوط القسطنطينية عام 1453م على الممالك الأوروبية، وإقدام إسرائيل على إحراق المسجد الأقصى.
ولا شك أن العوامل النفسية مثل الحب والكراهية والحقد أو مركبات النقص لها تأثيرها على تصرفات بعض الزعماء أكثر منها على الشعوب، حيث أن تأثيرها على الشعوب يكون طارئاً ولا يكون عاملاً أساسياً في حركة التاريخ، وقد حاول علماء النفس أن يجدوا في القادة مجموعة معينة من الصفات يطلقون عليها نموذج شخصية.
التفسير المادي للتاريخ:
هو التفسير الذي يعني أن حركة التاريخ تقوم على الجوانب المادية البحتة التي تعتمد على العناصر التالية:
-قوى الإنتاج: ويقصد بها نشاط الإنسان الناتج من محاولاته استخدام الطبيعة من أجل تطوير انتاجه الاقتصادي.
-علاقات الإنتاج: نشاط الإنسان بينه وبين أخيه الإنسان في إطار العملية الإنتاجية.
-وسائل الإنتاج: الوسائل التي تتم بها العملية الإنتاجية مثل الآلات والمعدات والمصانع والطرق.
-أهداف الإنتاج: ما يهدف إليه الأفراد من العملية الإنتاجية.
وأصحاب التفسير المادي للتاريخ يقولون أن الظروف المادية للشعوب هي التي تحرك التاريخ، وأن الثورات والانقلابات وغيرها ترجع في نهاية الأمر إلى أوضاع الملكية والإنتاج، ولا ينكر أصحاب هذا التفسير دور الفكر أو الدين أو الوطنية في توجيه التاريخ لكنهم يرون أنها ناتجة عن الأوضاع المادية.
ومع اعترافنا بأهمية العوامل المادية في التاريخ لكننا لا نستطيع أن نضع تلك العوامل في المرتبة الأولى لأن العوامل الأخرى بدورها تؤثر في حركة التاريخ.



2009 Views