تعريف التاريخ عند ابن خلدون

كتابة سالي - تاريخ الكتابة: 5 سبتمبر, 2018 4:15
تعريف التاريخ عند ابن خلدون


تعريف التاريخ عند ابن خلدون سنطرح لكم فى هذه المقالة موضوع مهم وهو تعريف التاريخ عند ابن خلدون وماهى اهميته .
ابن خلدون هو عبد الرحمن بن محمد، ابن خلدون أبو زيد، ولي الدين الحضرمي الإشبيلي (1332 – 1406م)، ولد في تونس وشب فيها وتخرّج من جامعة الزيتونة، وليَ الكتابة والوساطة بين الملوك في بلاد المغرب والأندلس ثم انتقل إلى مصر حيث قلده السلطان برقوق قضاء المالكية. ثم استقال من منصبه وانقطع إلى التدريس والتصنيف فكانت مصنفاته من أهم المصادر للفكر العالمي من أشهرها كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في معرفة أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر (تاريخ ابن خلدون).
ابن خلدون مؤرخ من شمال أفريقيا، تونسي المولد أندلسي حضرمي الأصل. عاش بعد تخرجه من جامعة الزيتونة في مختلف مدن شمال أفريقيا، حيث رحل إلى بسكرة وغرناطة وبجاية وتلمسان، كما تَوَجَّهَ إلى مصر، حيث أكرمه سلطانها الظاهر برقوق، ووَلِيَ فيها قضاء المالكية، وظلَّ بها ما يناهز ربع قرن (784-808هـ)، حيث تُوُفِّيَ عام 1406 عن عمر بلغ ستة وسبعين عامًا ودُفِنَ قرب باب النصر بشمال القاهرة تاركا تراثا ما زال تأثيره ممتدا حتى اليوم ويعتبر ابنُ خَلدون مؤسسَ علم الاجتماع الحديث ومن علماء التاريخ والاقتصاد.

تعريف التاريخ عند ابن خلدون

– تعريف ابن خلدون للتاريخ يعتبر من أهم التعريفات، و ذلك لأنه من اشهر علماء الاجتماع العرب، و كانت له نظرته الخاصة للكثير من التعريفات و المفاهيم، و اشهر ما قاله عن التاريخ ” التاريخ في ظاهره لا يزيد عن أخبار عن الأيام و الدول، والسوابق من القرون الأُولى تنمو فيها الأقوال، وتضرب فيها الأمثال، و تطرف فيها الأندية إذا غصَّها الاحتفال، وتؤدي شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال ” .
– كما قال ابن خلدون ” التاريخ في باطنه نظر و تحقيق، و تعليل للكائنات و مباديها دقيق، و علم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير أن يعد في علومها وخليق يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم و سياستهم” .

نظرة ابن خلدون للتاريخ و رأيه في المؤرخين

– قد رأى ابن خلدون ان التاريخ ينقسم إلى بعض الاجزاء، تعتبر هي الرئيسية فيه، و أن التاريخ له وجهان أحدهما ظاهر و الآخر باطن، حيث أن التاريخ يروي ما حدث في البلاد و في تاريخها خلال القرون الأولى، و انتشرت في هذه الأوقات الامثال و المقولات الشهيرة به، و هذا هو ظاهر التاريخ أما باطن التاريخ، فهو تعليل الكائنات و التدقيق، و معرفة الوقائع و معرفة أيضاً كيفية حدوثها، و هذا ما يعطي عمق للتاريخ و من هذه النقطة يمكننا اعتبار التاريخ علم، يوفر لنا المعلومات عن القرون و البلاد الأخرى .
– و التاريخ في وجهة نظر ابن خلدون أيضاً، يجعلنا نكتشف اسرار و حقائق و معلومات كثيرة، عن عصر الانبياء و سياستهم في التعامل و أيضاً سياسة الملوك و تعاملاتهم، و سرد الاخبار و الخبايا التي تعود لزمن محدد، و التاريخ أيضاً يتحدث عن الاجتماع الإنساني، فهو في نظرة ابن خلدون يدور حول الإنسان و حول الأعمال الخاصة به، و حول سلوكياته، و كل ما يحمله من اسباب و مبررات .
– ابرز العناصر الرئيسية للتاريخ من وجهة نظر ابن خلدون، هي الماضي و التقلب في الزمن و الإنسان، و عناصر تتشابه في مضمونها مع نظرة باحثين آخرين في هذا المجال، و لكن ما قام بتزيوده ابن خلدون هو، اكتشاف الأسباب و التعليل و التفلسف، و يرى أن الغرض الرئيسي من التاريخ هو ضرب الأمثال و الوقوف على تقلب احوال الناس، بالإضافة إلى محاولة تعليل اسباب الأحداث السابقة و لماذا قامت هذه الأحداث من الأساس، كما يتناول التاريخ المجتمعات الإنسانية، باختلافها سواء اختلاف العصور، أو اختلاف البلدان الخاصة بها، و قد اشتملت مقدمة ابن خدلون، قوانين تاريخية تتشابه مع القوانين الطبيعية، مثل قانون السبب و المسبب، و قانون الاستحالة و الامكان، و قانون التشابه و التباين .

مفهومه للتاريخ

طور ابن خلدون تعريف التاريخ فعرّفه بقوله فنّ التاريخ الذي تتداوله الأمم والأجيال… هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأولى، وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، علم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، جدير بأن يعدّ في علومها خليق .
إن هذا التعريف يعكس فكرة ابن خلدون عن التاريخ، فهو فن من فنون المعرفة، يحوي أخباراً عن الزمن الماضي، غير أن هذه الأخبار ليست كل شيء في التاريخ؛ إنما هي الصورة التي تبدو لنا، هي محصلة لحركة أخرى في هذا الكون غير مرئية، ولشكل من العوامل وفعلها المفرد أو المتضافر الذي بموجبه تحدث الأحداث الوقائع . فالمحصلة التي نراها في التاريخ -الأخبار- هي بنت الصلة بين الحركة العامة والعوامل الخاصة الظرفية وهي مع الكيفية التي يقع بها الحدث، ويكتب في شكل خبر، تشكل جوهر التاريخ.
إن الصورة النهائية للتاريخ ليست أحادية العامل في التشكيل، إنما هي متعددة العوامل تسهم فيها الحركة العامة والظرف المكاني والأسباب الكامنة وراء الحدث، ثم شكل الحدث، ثم كيفية استكشافه وتقديمه في شكل خبر.
وما يلفت النظر، اختيار ابن خلدون مصطلح العِبر لكتابه في التاريخ، فاستخدامه هذا المصطلح إنما يعبر عن رؤيته للتاريخ التي ترى فيه فناً من فنون المعرفة، أساساً ومؤثراً في الحياة الاجتماعية بصيغة استقبالية؛ لأن وظائفه من النوع الذي لا يمكن لمعرفة أخرى القيام به، من الممكن أن تحاكيه فيها، ولكن من غير الممكن تجاوزه أو إلغاؤه، كما يقول الدكتور نزار الحديثي.
وإذا كان ظاهر التاريخ أخباراً، فالأخبار ليست حالة تكوين نظري، إنما هي صياغة أدبية تسجيلية لحدث حصل في زمن له مستواه في التقدم. فالأخبار -إذاً- تستوجب الرجوع إلى طبائع العمران، فضلاً عن نقد المؤرخ، وتقدير دور التقليد والرتابة في المنهجية المعتمدة من الكاتب، قياساً إلى الزمن؛ لأن التقليد، كما يقول ابن خلدون، جعلهم يجلبون الأخبار عن الدول وحكايات الوقائع من العصور الأُوَل، صوراً قد تجردت من موادها
هذا يعني عملياً، أن ابن خلدون سجّل كل العناصر التي يتطلبها علم التاريخ مرة واحدة في تعريفه للتاريخ. فتأريخ التاريخ مسألة أساسية يستوجب الانتباه لها. إذ على المؤرخ قبل غيره أن يعيها دائماً، لا بصيغتها كما وضعت يوماً ما، إنما بصيغتها التي تتكون بها في كل زمن. كذلك يفترض في المنهج الذي يتعامل به المؤرخ هو الآخر، أن يكون دائم التطور، يعمل في التاريخ، ويلتقط من محيطه أدوات وظواهر مستجدة، بوظيفتها في منهجية العمل.

الرؤية النقدية للتاريخ

بلغ تطور الرؤية النقدية لدى المؤرخ على يد ابن خلدون درجة عالية من النضج والتطور، حيث حدد المطلوب توافره لدى المؤرخ بالآتي:
1 – 
ضرورة استيعابه لجوهر الحدث التاريخي، إذ إنه في باطنه نظر وتحقيق .
2 – 
علمه بقوانين الحياة: تعليل للكائنات ومبادئها دقيق .
3 – 
معرفته كيفية وقوع الحدث، والقدرة على التصور علم بكيفيات الوقائع وأسبابها .
4 – 
معرفة بالفلسفة، لأن علم التاريخ أصيل في الحكمة عريق .
5 – 
استيعاب جهود فحول المؤرخين في الإسلام الذين استوعبوا أخبار الأيام وجمعوها لتمييزها مما فعله المتطفلون من الدسّ والتحريف والتلفيق .
6 – 
تجنب التقليد، لأنه يُبعد المؤرخ عن ملاحظة أسباب الوقائع والأصول .
7 – معرفة طبائع العمران في أحواله.
8 – 
تجنب التجريد في سَوْق الأحداث للتميز عن المؤرخين الذين نقلوا الأخبار عن الدول والعصور الأُوَل صوراً قد تجردت عن موادها .
9 – 
الوعي لمتطلبات العصر، وظهور الكتابة التاريخية ومعرفة أمر الأجيال الناشئة في ديوانها .
10 – معرفة ما يفرضه الهدف من علم التاريخ.
لقد نقل ابن خلدون التاريخ من الحالة مضطربة الموقع بين العلوم إلى الحالة المستقرة، فأصبح له تاريخه ونقده التاريخي وشروطه في الكتابة. وكان هذا كافياً لأن ينقل علم تأريخ التاريخ من مقدمة كتاب المؤرخ إلى البحث المستقل، وينقل التاريخ من مجرد الإخبار إلى فلسفة التاريخ.
لقد انتقد ابن خلدون أكثر المؤرخين لأنهم قلدوا من سبقهم أو أقصروا كتبهم على سرد أسماء الملوك وأعمالهم، ورددوا أخباراً دخيلة، لا يصدقها العقل بل يقوم على فسادها البرهان. ووصف ابن خلدون كتابه كتاب العبر… بقوله: فأنشأت في التاريخ كتاباً… أبديت فيه لأولية الدول والعمران عللاً وأسباباً، وسلكتُ في تربيته وتبويبه مسلكاً غريباً، واخترعته من بين المناحي مذهبياً عجيباً، وطريقة مبتدعة وأسلوباً، وشرحت فيه من أحوال العمران والتمدن وما يعرض في الاجتماع الإنسانيّ من العوارض الذاتية ما يمتعك بعلل الكوائن وأسبابها، ويعرّفك كيف دخل أهل الدول من أبوابها… .

فلسفة التاريخ

يرى ابن خلدون، مؤسس فرع فلسفة التاريخ، أن البحث في هذا الفرع يتجه إلى كشف العوامل في صنع التاريخ للوقوف على طبيعة التاريخ، في بُعديه الماضوي والمستقبلي. وقد حدّد هذه العوامل بأنها قوى كامنة في المجتمع، وفي ظرفيه المكاني والزماني: وتقف على أحوال ما قبلك من الأيام والأجيال وما بعدك ، أي وصول المؤرخ إلى فَهم أدق للتاريخ عن طريق التسلح بوعي وخبرة أعمق. ويتحقق هذا عند ابن خلدون في الوصول إلى الأسباب الحقيقية وراء الأحداث، ومعرفة الكيفية التي وقع بها الحدث، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق ، وعن طريق تطبيق المؤرخ الطريقة التاريخية السليمة فهو محتاج إلى مآخذ متعددة ومعارف متنوعة وحسن نظر وتثبت .
فالمعرفة التاريخية تقررها مسألتان جوهريتان هما: استيعاب العلّية ودقة الطريقة التاريخية المتبعة في كشفها، إذ بهما يتحقق الفهم الدقيق للتاريخ، ويتم تشكيل وبناء المعرفة التاريخية، ويتكون الوعي، وتتحقق الخبرة، وتتم فائدة الاقتداء، لأن التاريخ اكتسب من شروط العلم ما يكفي ليجعله لدقته من علوم الحكمة.
إن اتجاه ابن خلدون إلى دراسة التراكم التاريخي للمعرفة مضمون التاريخ هو الاتجاه السليم لإرساء أساس لفلسفة التاريخ؛ فالفلسفة هنا تسعى لفهم ما ينظم هذا المضمون ويعطيه دلالاته، ويجعله موضع اعتبار وعبرة في حياة الشعوب، وهو سعي يختلف عن سعي الفلاسفة الآخرين الذين اتجهوا إلى تحكيم قواعد وقوانين خارجية على مضمون التاريخ.
ويرى ابن خلدون أن الاكتفاء بحدود الأخبار ليس هو التاريخ. فالتسجيل هو الجانب السلبي فيه. أما إذا كان المطلوب هو التأريخ ، فالتوجه يجب أن يتجاوز التسجيل ويذهب إلى معرفة لماذا وقع الحدث، وكيف جاء الإخبار عنه، ولماذا تمت صياغة الخبر بهذا الشكل، وما هي النتائج التي تترتب على حركة التاريخ؟
والذي يمارس كتابة هذا النوع من التاريخ هو فيلسوف؛ لأن عمله يقع أصلاً في حقل الفلسفة الحكمة . فالعِلِّية، كما يراها ابن خلدون، حالة مستترة خلف الحدث، وإظهارها يستوجب مراناً يتزود به المعنيّ بالمعرفة في بُعدها الماضي، ومراناً على قراءة الخبر. بمعنى تنشيط عملية ذهنية تحلل الخبر، وتبحث في خلفياته عن مبتغاها، والخروج بالحدث من دائرته الذاتية، بعد استيعابها إلى دائرة أوسع، هي عصر الحدث، أي التدرج في كشف ارتباطاته. ثم إخضاع كل المعلومات المتحصلة للتحليل والتدقيق، وإعادة تقديم الخبر في ضوء هذا البحث، بحيث يُفصح عن نفسه ويؤكد أنه هو الصورة الأقرب إلى الحدث لحظة وقوعه، ومن ثم الخروج بحكم تاريخي عام وشامل. فابن خلدون يعطي التاريخ دوراً للفعل في ذهن القارئ والتأثير فيه عن طريق تكوين قناعة لديه بأن ما يقرأ هو التاريخ.
إن مثل هذه القواعد، تستلزم بالضرورة مراناً في علوم ومعارف مساعدة كثيرة. يجب أن يُتقن المؤرخ التعامل بها واستخدامها كوسيلة من وسائل التحليل والقياس.
وتعتقد الباحثة الدكتورة زينب محمود الخضيري في كتابها: فلسفة التاريخ عند ابن خلدون أن ابن خلدون فرّق بين نوعين من التاريخ، الأول: علم التاريخ أو فن التاريخ، في ظاهره، والثاني: فن التاريخ، في باطنه.
فالنوع الأول، عبارة عن سرد أحداث الماضي والكلام عن الدول المختلفة، كيف قامت واتسعت ثم زالت. هو -إذاً- التاريخ بمعناه العام.
أما النوع الثاني، فهو فرع من فروع الحكمة أو الفلسفة؛ لأنه يبحث في أسباب الأحداث والقوانين التي تتحكم فيها. وهذا الوجه الآخر لفن التاريخ هو الذي يسمى اليوم بـ فلسفة التاريخ .



902 Views